اسد حيدر
566
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
الزهري : أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن واستشار فيه أصحاب رسول اللّه . فأشار عليه عامتهم في ذلك ، فلبث شهرا يستخير اللّه في ذلك شاكا فيه ، ثم أصبح يوما وقد عزم اللّه له فقال : إني ذكرت لكم من كتابة السنن ما قد علمتم ، ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم كتبوا مع كتاب اللّه كتبا ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب اللّه ، وإني واللّه لا ألبس كتاب اللّه بشيء . فترك كتابة السنن « 1 » . وكان كثير من الصحابة والتابعين يكره كتابة العلم وتخليده في الصحف كعمر ، وابن عباس ، والشعبي ، وقتادة ومن ذهب مذهبهم . قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم : « من كره كتابة العلم إنما كرهه لوجهين : أحدهما أن يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به ، ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب ، فلا يحفظ فيقل الحفظ » . وهذا هو رأي عمر وما أدى إليه اجتهاده في ذلك . وقال ابن عبد البر أيضا : كان اعتماد الصحابة أولا على الحفظ والضبط في القلوب غير ملتفتين إلى التدوين ، فلما انتشر الإسلام وتفرقت الصحابة ومات معظمهم مست الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة « 2 » . وبهذا يظهر أن التدوين عندهم متأخر عن الصدر الأول ، كما مر من رأي عمر في ذلك ، ويذهب الغزالي إلى أن حدوث التدوين كان في سنة 120 ه - وبعضهم يرى أنه قبل ذلك في عهد عمر بن عبد العزيز . جاء في الموطأ أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم : أن انظر ما كان من حديث رسول اللّه أو سنته فاكتبه ، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية والقاسم بن محمد بن أبي بكر . وأخرج أبو نعيم في تاريخ أصفهان عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الآفاق : « انظروا إلى حديث رسول اللّه فاجمعوه » . وأبو بكر بن محمد بن عمر هذا كان أنصاريا مدنيا ، ولي القضاء على المدينة لسليمان بن عبد الملك ولعمر بن عبد العزيز ، وتوفي سنة 120 ه - ، وكانت ولاية
--> ( 1 ) تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ص 35 . ( 2 ) جامع بيان العلم ج 2 ص 34 .